ابن أبي الحديد
47
شرح نهج البلاغة
ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة ، واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية . لا تحدثن سنة تضر بشئ من ماضي تلك السنن ، فيكون الاجر لمن سنها ، والوزر عليك بما نقضت منها . وأكثر مدارسة العلماء ، ومناقشة الحكماء ، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك ، وإقامة ما استقام به الناس قبلك . * * * الشرح : خلاصة صدر هذا الفصل ، أن من أحسن إليك حسن ظنه فيك ، ومن أساء إليك استوحش منك ، وذلك لأنك إذا أحسنت إلى انسان وتكرر منك ذلك الاحسان تبع ذلك اعتقادك أنه قد أحبك ، ثم يتبع ذلك الاعتقاد أمر آخر ، وهو أنك تحبه ، لان الانسان مجبول على أن يحب من يحبه ، وإذا أحببته سكنت إليه وحسن ظنك فيه ، وبالعكس من ذلك إذا أسأت إلى زيد ، لأنك إذا أسأت إليه وتكررت الإساءة تبع ذلك اعتقادك أنه قد أبغضك ، ثم يتبع ذلك الاعتقاد أمر آخر ، وهو أن تبغضه أنت وإذا أبغضته انقبضت منه واستوحشت ، وساء ظنك به . قال المنصور للربيع : سلني لنفسك : قال يا أمير المؤمنين ، ملأت يدي فلم يبق عندي موضع للمسألة ، قال : فسلني لولدك ، قال أسألك أن تحبه ، فقال المنصور : يا ربيع ، إن الحب لا يسأل ، وإنما هو أمر تقتضيه الأسباب قال : يا أمير المؤمنين ، وإنما أسألك أن تزيد من إحسانك ، فإذا تكرر أحبك ، وإذا أحبك أحببته . فاستحسن